محمد سعيد رمضان البوطي

114

فقه السيرة ( البوطي )

حاولنا استجلاء الحقيقة على ضوء البحث المنطقي والموضوعي ؟ . أولا : إذا عدنا إلى التأمل في ظاهرة الوحي التي تجلت واضحة في حياته عليه الصلاة والسلام - وقد مرّ البحث فيها بتفصيل واف - رأينا أن أبرز صفة في حياته عليه الصلاة والسلام هي « النبوة » لا شك في ذلك ولا ريب ، والنبوة هي من المعاني الغيبية التي لا تخضع لمقاييسنا المحسوسة وإذا ؛ فإن معنى المعجزة الخارقة قائم في أصل كيانه عليه الصلاة والسلام ، فلا يتسنى نفي المعجزات والخوارق عنه صلى اللّه عليه وسلم إلا بهدم معنى النبوّة نفسها ونسخها من حياته ، وذلك يساوي بالبداهة إنكار الدين نفسه ، ولئن لم يصرح بهذه النتيجة بعض الباحثين من المستشرقين ، مكتفين ببيان ذكاء الرسول ومدى عبقريته وشجاعته وسياسته للأمور ، فذلك اكتفاء منهم برسم المقدمات عن بيان النتائج ، إذ النتيجة تأتي بطبيعتها بعد التسليم بمقدماتها . على أن كثيرين صرحوا بالنتيجة ، بعد أن ضاقت بها صدورهم ، مثل شبلي شميل حينما سمى الإيمان بالدين إيمانا بالمعجزة المستحيلة « 1 » ! . . . وأنت خبير أنه لا معنى للبحث في إنكار جزئيات المعجزات أو إثباتها ، إذا كان أصل الدين محل شك أو إنكار . ثانيا : إذا تأملنا في سيرته صلى اللّه عليه وسلم ، ووقائع حياته ، وجدنا أن اللّه سبحانه وتعالى أجرى معجزات كثيرة على يديه ، لا مناص من قبولها ولا مجال لردها ، لأنها نقلت إلينا بالأسانيد الصحيحة المتواترة التي ترتقي بالفكر والعقل إلى درجة القطع واليقين . فمن ذلك حديث نبع الماء من بين أصابعه الشريفة ، أخرجه البخاري في كتاب الوضوء ، ومسلم في كتاب الفضائل ، ومالك في الموطأ في كتاب الطهارة ، وغيرهم من أئمة الحديث بطرق مختلفة كثيرة ، حتى نقل الزرقاني عن القرطبي قوله : إن نبع الماء من بين أصابعه صلى اللّه عليه وسلم تكرر في عدة مواطن في مشاهد عظيمة ، وورد من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي « 2 » . ومن ذلك حديث انشقاق القمر على عهده صلى اللّه عليه وسلم حينما سأله المشركون ذلك ، فقد أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء ، وأخرجه مسلم في كتاب صفة القيامة ،

--> ( 1 ) يذكر الدكتور شبلي شميل هذا الكلام في مقدمته لتعريب كتاب « بوكنز » في شرح مذهب داروين عن نظرية النشوء والارتقاء . ( 2 ) راجع الزرقاني على الموطأ : 1 / 65 .